أحمد بن محمد القسطلاني
24
ارشاد الساري لشرح صحيح البخاري
مالك ) رضي الله عنه ( قال : أقيمت الصلاة ، فعرض للنبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - رجل فحبسه ) أي منعه من الدخول في الصلاة بسبب التكلم معه ، زاد هشام في روايته : حتى نعس بعض القوم ( بعدما أقيمت الصلاة ) وفيه الردّ على من كره الكلام بعد الإقامة . زاد في غير رواية أبي ذر والأصيلي وابن عساكر هنا زيادة ذكرها في الباب الآتي وهو اللائق كما لا يخفى وهي : وقال الحسن : إن منعته أمه عن العشاء في جماعة شفقة عليه لم يطلعها ، ومبحث ذلك يأتي قريبًا إن شاء الله تعالى . ورواة هذا الحديث بصريون ، وفيه التحديث والعنعنة والسؤال والقول ، وأخرجه أبو داود في الصلاة . 29 - باب وُجُوبِ صَلاَةِ الْجَمَاعَةِ وَقَالَ الْحَسَنُ : إِنْ مَنَعَتْهُ أُمُّهُ عَنِ الْعِشَاءِ فِي الْجَمَاعَةِ شَفَقَةً لَمْ يُطِعْهَا . ( باب وجوب صلاة الجماعة ) . أطلق المؤلّف الوجوب وهو يشمل الكفاية والعين لكن قوله ( وقال الحسن ) أي البصري ( إن منعته ) أي الرجل ( أمه عن ) الحضور إلى صلاة ( العشاء في الجماعة ) حال كون منعها ( شفقة ) أي لأجل شفقتها ( عليه ) وليس في الفرع هنا عليه ، نعم هي لابن عساكر في السابق ، وفي رواية في جماعة بالتنكير ( لم يطعها ) يشعر بكونه يريد وجوب العين . لأن طاعة الوالدين واجبة حيث لا يكون فيها معصية الله ، وترك الجماعة معصية عنده . وهذا الأثر أخرجه موصولاً بمعناه في كتاب الصيام للحسين بن الحسن المروزي بإسناد صحيح عن الحسن في رجل يصوم تطوعًا ، فتأمره أمه أن يفطر ، قال : فليفطر ولا قضاء عليه وله أجر الصوم وأجر البر ، قيل فتنهاه أن يصلّي العشاء في جماعة ، قال : ليس ذلك لها ، هذه فريضة . وقد أبدى الشيخ قطب الدين القسطلاني ، رحمه الله ، فيما نقله البرماوي في شرح عمدة الأحكام ، لمشروعية الجماعة حكمة ذكرها في مقاصد الصلاة . منها : قيام نظام الألفة بين المصلين ، ولذا شرعت المساجد في المحال ليحصل التعاهد باللقاء في أوقات الصلوات بين الجيران . ومنها : قد يتعلم الجاهل من العالم ما يجهله من أحكامها . ومنها : أن مراتب الناس متفاوتة في العبادة فتعم بركة الكامل على الناقص فتكمل صلاة الجميع . 644 - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ قَالَ : أَخْبَرَنَا مَالِكٌ عَنْ أَبِي الزِّنَادِ عَنِ الأَعْرَجِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ : « وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ ، لَقَدْ هَمَمْتُ أَنْ آمُرَ بِحَطَبٍ فَيُحْطَبَ ، ثُمَّ آمُرَ بِالصَّلاَةِ فَيُؤَذَّنَ لَهَا ، ثُمَّ آمُرَ رَجُلاً فَيَؤُمَّ النَّاسَ ، ثُمَّ أُخَالِفَ إِلَى رِجَالٍ فَأُحَرِّقَ عَلَيْهِمْ بُيُوتَهُمْ . وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ ، لَوْ يَعْلَمُ أَحَدُهُمْ أَنَّهُ يَجِدُ عَرْقًا سَمِينًا أَوْ مِرْمَاتَيْنِ حَسَنَتَيْنِ لَشَهِدَ الْعِشَاءَ » . [ الحديث 644 - أطرافه في : 657 ، 2420 ، 7224 ] . وبالسند قال : ( حدّثنا عبد الله بن يوسف ) التنيسيّ ( قال : أخبرنا مالك ) إمام الأئمة ( عن أبي الزناد ) عبد الله بن ذكوان ( عن الأعرج ) عبد الرحمن بن هرمز ( عن أبي هريرة ) رضي الله عنه ( أن رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ) زاد مسلم : فقد ناسًا في بعض الصلوات ( قال ) : ( و ) الله ( الذي نفسي بيده ) أي بتقديره وتدبيره ( لقد هممت ) هو جواب القسم ، أكده باللام وقد ، والمعنى لقد قصدت ( أن آمر بحطب فيحطب ) بالفاء وضم المثناة التحتية وبعد الحاء الساكنة طاء مبنيًّا للمفعول منصوبًا عطفًا على المنصوب المتقدم ، وكذا الأفعال الواقعة بعده . وللحموي والمستملي : ليحطب ، بلام التعليل ، ولابن عساكر وأبي ذر . يتحطب ، بضم التحتية وفتح الفوقية والطاء ، ولابن عساكر أيضًا فيحطب ، بالفاء وتشديد الطاء . ولأبي الوقت : فيتحطب ، بالفاء ومثناة فوقية مفتوحة بعد التحتية المضمومة وتشديد الطاء أيضًا ، وفي رواية : فيحتطب ، بالفاء ومثناة فوقية مفتوحة بعد الحاء الساكنة . وحطب واحتطب بمعنى واحد ، قال في الفتح : أي يكسر ليسهل اشتعال النار به ، وتعقبه العيني بأنه لم يقل أحد من أهل اللغة إن معنى يحطب يكسر ، بل المعنى يجمع ( ثم آمر ) بالمد وضم الميم ( بالصلاة ) العشاء أو الفجر أو الجمعة أو مطلقًا ، كلها روايات ولا تضاد لجواز تعدد الواقعة ( فيؤذن لها ) بفتح الذال المشددة ، أي يعلم الناس لأجلها . والضمير مفعول ثانٍ ، ( ثم آمر رجلاً فيؤم الناس ثم أخالف ) المشتغلين بالصلاة قاصدًا ( إلى رجال ) لم يخرجوا إلى الصلاة ( فأحرّق عليهم بيوتهم ) بالنار عقوبة لهم ، وقيد بالرجال ليخرج الصبيان والنساء ، ومفهومه أن العقوبة ليست قاصرة على المال بل المراد تحريق المقصودين وبيوتهم ، وأحرّق بتشديد الراء وفتح القاف وضمها كسابقه وهو مشعر بالتنكير والمبالغة في التحريق . وبهذا استدلّ الإمام أحمد ومن قال : إن الجماعة فرض عين لأنها لو كانت سنة لم يهدد تاركها بالتحريق ، ولو كانت فرض كفاية لكان قيامه عليه الصلاة والسلام ومن معه بها كافيًا . وإلى هذا ذهب عطاء والأوزاعي وجماعة من محدثي الشافعية ، كابني خزيمة ، وحبان ، وابن المنذر وغيرهم من الشافعية ، لكنها ليست بشرط